أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
362
العقد الفريد
طرقنا ، ويخرزون خفافنا ، ويحركون ثيابنا . فاستوى ابن عامر جالسا ، وكان متكئا ، فقال : ما كنت أظنك تعرف هذا الباب ، لفضلك وزهادتك . فقال : ليس كل ما ظننت أني لا أعرفه ، لا أعرفه . وقالوا : إن خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد لما وجّه أخاه عبد العزيز إلى قتال الأزارقة ، هزموه وقتلوا صاحبه مقاتل بن مسمع ، وسبوا امرأته أم حفص بنت المنذر ابن الجارود العبدي ، فأقاموها في السوق حاسرة بادية المحاسن ، وغالوا فيها وكانت من أكمل الناس كمالا وحسنا ، فتزايدت فيها العرب والموالي وكانت العرب تزيد فيها على العصبية ، والموالي تزيد فيها على الولاء ، حتى بلّغتها العرب عشرين ألفا ، ثم تزايدوا فيها حتى بلّغوها تسعين ألف ، فأقبل رجل من الخوارج من عبد القيس من خلفها بالسيف فضرب عنقها ، فأخذوه ورفعوه إلى قطري بن الفجاءة ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن هذا استهلك تسعين ألفا من بيت المال وقتل أمة من إماء المؤمنين . فقال له : ما تقول ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إني رأيت هؤلاء الإسماعيلية والإسحاقية قد تنازعوا عليها حتى ارتفعت الأصوات واحمرت الحدق ، فلم يبق إلا الخبط بالسيوف ، فرأيت أن تسعين ألفا في جنب ما خشيت من الفتنة بين المسلمين هينة . فقال قطري : خلّوا عنه ، عين من عيون اللّه أصابتها . قالوا : فأقد منه . قال : لا أقيد من وزعه « 1 » اللّه . ثم قدم هذا العبدي بعد ذلك البصرة ، فإذا النعمان بن الجارود يستجديه بذلك السبب ، فوصله وأحسن إليه . قال : أبو عبيدة : مر عبد اللّه بن الأهتم بقوم من الموالي وهم يتذاكرون النحو ، فقال : لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده . قال أبو عبيدة : ليته سمع لحن صفوان وخاقان ومؤمل بن خاقان . الأصمعي قال : قدم أبو مهدية الأعرابي من البادية فقال له رجل : أبا مهدية أتتوضئون بالبادية ؟ قال : واللّه يا ابن أخي لقد كنا نتوضأ فتكفينا التوضئة الواحدة
--> ( 1 ) وزعه : يريد أنه لا يقيد من الذين يكفون الناس عن الشر .